السيد هادي الخسروشاهي
116
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
وبلايا ، ومن فتك ذريع ، ومن جرائم وحشية اقترفها أساتذة المدنية الحديثة ضدّ الإنسانية ، حبّاً في السيطرة ! وأدركوا بيقين أنّ المدنية والمذاهب الاجتماعية التي كان يتيه بها أصحابها في الشرق أو الغرب ، والمثل التي يتشدّق بها هؤلاء وهؤلاء لم تستطع أن تكبح من ضراوتهم ، أو تحدّ من وحشيتهم ، وأنّ الأسلحة الفتّاكة التي طالما هدّدونا بها استخدمت في القضاء عليهم . لقد كان هذا كله بمثابة ضجّة أيقظت المسلمين من سباتهم ، ودفعتهم إلى الاهتمام بما عندهم من مبادئ إنسانية ، ومن مثل عليا خدعهم عنها العدوّ الطامع فيهم بأباطيله حيناً من الدهر . وهكذا كان التنافس بين الدول الغالبة ، وشعور الاعتزاز عند المسلمين ، كلاهما من الأسباب المهيِّئة لظهور فكرة إصلاحية جديدة . وفي هذا الوقت الذي أرهفت فيه مشاعر المسلمين ، وقعت حادثة هزّت عواطفهم هزّةً عنيفةً ، مع أنّها لو وقعت في غير وقت الحساسية لمرّت عادية ولم تترك أثراً ، والحوادث العادية إن وقعت في زمن الحساسية فغالباً ما تصنع المعجزات . وقعت الحادثة في الحرم الآمن ، وفي الشهر الحرام ، وفي أيام الحج بالذات ، وراح ضحيّتها شاب مسلم قصد إلى الحج ، وقطع أكثر مراحل سفره سائراً على قدميه حتّى وصل البيت الحرام ، وهناك أصابه مرض ، فغلبه القيء فلتقّاه في حجره حرصاً على طهارة البيت ، ولكن حظّه السيء خيّل لبعض الطائفين أنّه يحمل ما يحمل يريد به تلويث البيت ، فصاح بذلك في الناس . وليس من عادة الجماهير أن تتثبّت إذا هيّجها مهيّج ، فشهدوا عليه بما كان منه بريئاً ، وقتلوه مظلوماً ، وهو في رحاب الحرم الشريف الآمن ! وإنّما كان مبعث ذلك سوء ظنّ طائفة بطائفة ، وكان يمكن أن تؤدّي هذه الحادثة إلى أسوأ النتائج وأن تثير الأحقاد ، وأن تهيّج العصبيات القديمة ، وأن تقطع الصلات بين فريقي المسلمين ، ولكن هذه الحادثة أثّرت في كثيرٍ من المفكّرين تأثيراً كان له